|
|
:::::: : آراء الصــــــحــافــة
: :::::: |
نماذج من الفولكلور الكورد ..

ان لكل شعب من الشعوب و كل أمة من الامم تراثاً حضارياً و اجتماعياً معيناً خاصاً به،والكورد كالبقية لهم ذخيرة فولكلورية بعضها مدروسة و الاكثر منها غير مدروسة ومن خلال تأريخه تجمعت و تألفت لديه خبرات و عادات و تقاليد و اتجاهات عمل و أساليب تفكير و التي تشكل الاصالة لهذا الشعب. و ان هذا لا يعني أنه لم يتأثر ولم يتفاعل مع التقدم والمعاصرة و التحديث، لان العناصر الفولكلورية الاصيلة أخذت تتاثر بالموجودات او العناصر الحضارية وما طرأ عليها من تبديل و تغيير و أخذت معاني مختلفة على امتداد الزمن والتاريخ. كما انها استخدمت استخدامات مختلفة في السباق الحضاري العام للقوى و التركيبات الاجتماعية السائدة فالفولكلور موجود مع عنصر التجديد و التحديث.
ففي الأسر الريفية التي تتأصل فيها العناصر الفولكلورية تتواجد فيها المواقد النارية بجانب المدافئ النفطية او الغازية و تحرث الارض بالمحراث الخشبي الذي تجره الحيوانات بجانب مكائن الحرث – التراكتور – و المنجل بجانب الحاصدة و الحب بجانب الثلاجة كل هذا يدل على عدم زوال الفولكلور و العناصر الفولكلورية بل دخل عليها عنصر التحديث و التجديد.
للكورد كما اشرنا له تراث فولكلوري كبير و متنوع، فالذي ساعد على تكوين هذا التراث الضخم و نموه و انتقاله من جيل الى جيل اخر هو الموقع الجغرافي الذي سلكه هؤلاء القوم من جبال وانهار و عيون دفاقة واراضٍ خضراء و بساتين جميلة و هواء منعش. ان هذا الموقع الجبلي المنعزل بطبيعته عن اسباب الحضارة و مقوماتها ساعد من جانبه على ان يحتفظوا بفولكلورهم الاصيل(1).
لقد اهتم الباحثون و المستشرقون الذين زاروا كوردستان في سنوات الحرب العالمية الاولى و الثانية بالقضايا الفولكلورية لهذا المجتمع و دونوا ما اتاحت لهم فرصة تدوينها. يقول –غوركي- (إن الفولكلور مادة خام كبيرة وهو مصدر ومعين لجميع الشعراء و الادباء و (الباحثين الفولكلوريين) و اذا فهمنا الماضي جيداً فسيكون نتاجنا الحالي رائعاً جداً و سنفهم آنذاك بدقة اهمية الفولكلور ويقول المستشرق "ابو فيان" عن الفولكلور الكوردي" ان الروح الشاعرية تكمن في اعماق كل كوردي و حتى عند الشيوخ الأميين، فانهم جميعاً يمتلكون القدرة والموهبة في الغناء، وهم يغنون ببساطة و هدوء، يغنون لوديانهم و جبالهم و شلالاتهم و انهارهم و دورهم واسلحتهم و أفرستهم، وهم يغنون الجمال بناتهم و نسائهم وكل ذلك يتدفق في اعماق مشاعرهم وانفسهم"(2) دون ان يبالغوا في ذلك، ويقول المستشرق –مينورسكي- "ان الغناء الكوردي ورواية القصص الكوردية قد اصبح عادة عامة عند الاثوريين الذين يعيشون في المناطق الجبلية في كوردستان(3). ويقول –باسيل نيكتين-" ان الادب الكوردي هو الفولكلور الكوردي في الدرجة الاولى واننا لا نجد في ذلك الفولكلور بقايا وتراث الاجيال والاجداد في الماضي فحسب، بل ان ذلك الفولكلور يبرهن القدرة على الحياة التي تزيد يوما بعد يوم ذلك النتاج غني و تمنحه الطراوة والسعة وليس في النادر ان نجد عناصر نتاج الشعوب الجارة تصب وتغني في قالب كوردي"(4).
ان هذا التراث الضخم الذي نمتلكه لم يدرس لحد الان دراسة ميدانية و علمية، ولم يتبع البحث والدراسات المكتوبة في هذا المجال المنهج العلمي الدقيق الذي يتطلب من الباحث الفولكلوري الميداني العلمي اساليب متعددة يستوجب اتباعه من اجل الوصول الى الجذور الاساسية لقضية الفولكلور، الا انهم اعتمدوا على معلوماتهم الشخصية و الاستفسار من بعض كبار السن دون اللجوء الى الاقامة في ميدان البحث. وفي جانب آخر ان معظم البحوث والدراسات التي اهتمت بالفولكلور الكوردي ركزت على جانب واحد هو الأدب والشعر واهمل الجوانب المادية الاخرى التي تشكل جزءاً مهما من تراثنا الشعبي و الحضاري الذي لا يمكن تركه او اهماله.
الغناء
لقد كانت الآداب و الفنون لدى مختلف الامم مرآة للأمال العذبة التي ظلت تدور في ذاكرتها، والتي لاتجد امكانية تحقيقها و اخراجها الى الواقع فتغنت بها لعلها تخفف بها عن آلامها. إن الحقيقة في جنوح الشعوب نحو الاغاني هي لكي تظهر فيها الآمها و مطامحها.
ففي الاغنية الفولكلورية الكوردية ترى ان الانسان يعبر عن أمنياته التي لا تختلف عن أماني الناس الذين يعيشون مرحلته الاجتماعية، هذه الأماني و الاحتجاجات – المنبعثة عن الحياة اليومية، والتي ضمنها الفرد الكوردي أغانيه التي ينشدها في الوديان و الجبال كما يغنيها الشباب والشيوخ، يبدون فيها شيئاً من الهموم المخزونة في قلوبهم و يتمتعون بقليل من مسرات الدنيا(5).
فالكورد يمتلكون تراثاً وفيراً من الاغاني الفولكلورية الذي تتفرع الى عدة فروع:
1-كوراني: وهي وحدات شعرية مستقلة لكل واحدة او اثنتين منها معنى كامل في مجال الحب والعشق.
2-بيت: وهو الغناء الحماسي الذي غالباً ما يغنى بين الفتى و الفتاة.
3-لاوك: وهو عبارة عن ملحمة، سواء كانت ملحمة غرامية او ملحمة بطولية.
4-ديلوك: وهو الغناء الذي خاص بالرقص.
5-لازه:وهو الترتيل الديني
6-حيران: عبارة عن كلمات منظمة بشكل نثر مسجوع لا تقل عن ثلاثة مقاطع موزونة في اخرها، يعبر فيها الفتى و الفتاة عن همومهما.
7-بريتي: هو النشيد الجماعي(6).
هذه نماذج من بعض اصناف الاغاني الكوردية:
كوراني:
-رباه ما احلى قبلة الصباح
عندما ترجع الحبيبة من النبع
-رباه ما أحلى القبلة على قارعة الطريق
والقلب يرتجف هلعاً من أن يمر عابر سبيل.
البيت:
الفتى: يا اخي ان رأسي يؤلمني كثيراً، و الاوجاع تئن في فؤادي
ها ان الفتيات سلكن الطريق ذاهبات للاحتطاب
لقد اصابتني فتاة بحبها. إنها..
انظروا اليها ماأحلى رجليها يحيط بهما الخلخال
قلت لها، تعالي أطبع على خدك قبلة، يا ذات الانسان الزرمدية
تمنطقت بصف الرصاص، و مددت يدي الى بندقيتي..
إني أميز حبيبتي بين مئة الف من الفتيات
وضعت العتاد في الشاجور، و تهيأت لاطلاق النار
الفتاة: (تنادي من بعيد)
ما اشد غباءك ايها الفتى
لا تطلق النار يا فتى، فانت بمرآى من الناس.
حيران:
الفتى: "حيران.. يا خائب.. بعيداً عن العمران.. كم انادي انا صائحاً، آه، آه، آه، على آه، .. تعالوا انتم و امعنوا النظر في اسراب الفتيات.. ما اعذب في سمعي رنين الاسورة اذ يحتك ببعضها البعض عندما يجمعن التبن المتبقى بعد الحصاد في البيادر.
الفتاة: "حيران.. أيها الفتى.. يا عيني العزيزتين. عليك في الربيع القادم، اما ان تخطبني من والدي بمتاع الدنيا، أو تبادلني من اخي بشقيقتك التي من أمك و أبيك، أو أن تنتزعني لك بحد الخناجر"(7).
لقد وجد رأيان مختلفان عن منشأ الغناء، فالرأي الاول يرى أن اغاني العمل اقدم انواع الغناء، و الرأي الثاني يعتقد بأن الاغاني الدينية أقدم انواع الغناء في الفولكلور، الكوردي يمتلك كلا النوعين من الغناء فالاغاني من النوع الاول الذي لا تزال باقية مثل (اغاني الحصاد الجماعي، و اغاني الرعاة، اما النوع الثاني مثل – "هورات الدراويش")(8).
الملحمة –داستان-
الملحمة اصطلاح يطلق على نوع من الابداع الفني تأخذ مادتها بصورة مباشرة من دافع موضوعي و تعكس واقع الحياة عبر ضمير الفنان واعماقه.. و ترتبط أشد الارتباط بازدهار الشعب في تأريخه.. وهي لا تتطور عند جميع الشعوب كحدث تأريخي بنفس الوتيرة. و للملحمة مكانة خاصة في الادب العالمي وفي تأريخ تطور الادب. لقد اندمجت الملحمة الفولكلورية في آداب الشعوب مع الملحمة المدونة من حيث الشكل و المضمون و هناك تشابه واضح بين الملحمة و الفولكلور و الادب المدون و هذه الحقيقة موجودة في الادب الكوردي(9).
و الملحمة في مرحلتها الاولى تعتبر خلافاً للفن القديم صورة لابداع الشعب. إن الملحمة الشعبية قد أبدع من الاساس أغنية قومية وحدها المغني الشعبي مع اغانيه الجديدة و الملاحم الشعبية المكرسة لاحداث ضخمة تعتبر مرآة خاصة للاغنية، وان هذه المرآة تعكس صورة لتلك الاحداث الهامة التي كانت تثير الناس او كانت تعكس صورة لهولاء الذين خدموا الشعب و القوا باعمالهم الكبيرة و البطولية ذكرى و احتلوا اماكن بارزة في التاريخ وفي نفوس الناس. وهكذا في –الالياذة- في اليونان، و –رولاند- في فرنسا و (نيبيلونغ) في الالمان و –راميانا- عند الهند و- ايكروروف عند الروس(10) وملحمة – قلعة دمدم- عند الكورد.
إن الملاحم الشعبية بنوعيها – العشق والبطولات- تنتقل من جيل الى جيل اخر، فكلما انتقلت من جيل الى جيل استبدلت جزءاً منها واضيف عليها جزءاً اخر. و بمعنى آخر إن الملاحم الشعبية لا تبقى على صورتها الاولية بل تحدث عليها تغييرات الا ان مضمونها يبقى كما هو. توصف بطولة بطل او عشق حبيبين.
ملحمة العشق و الغرام:
إن ملاحم العشق في الادب الكوردي تصب دائماً جام الغضب على القيم الاجتماعية التي لا تؤمن بحق الانسان في ان يحب بحرية دون ان تتدخل فوارق المركز الاجتماعي و الدين ورضا الاهل و ما الى ذلك من الامر. بل تبيح او حتى تفرض حبك الحيل و الدسائس التي تضمن الانفصال الابدي بين المتحابين.
وهذه قصة لشاب مسلم أحب فتاة مسيحية الا ان القيم الاجتماعية السائدة وقفت بينهما، و هنا يشكو كل منهما حاله للاخر. كانت مريم فتاة مسيحية جميلة و غنية من طبقة اجتماعية عالية احبت شاباً مسلماً فقيراً. رفض والد الفتاة من تزويج ابنته من الشاب المسلم و فرق بين قلبيهما رغم الحب الصادق بينهما ففي هذه الملحمة العشيقة يقول الشاب المسلم الفقير لحبيبته المسيحية الغنية.
"حبيبتي.. حبيبتي مريم.. دار والدها قصر عال جميل ابيض..
ليتني ذهبت لاخذ بيدها
و اهرب بها الى الجبال حيث
الثلوج البيضاء تغطي كل شيء".
ومن الملاحم الكوردية الاخرى (ملحمة شيرين وفرهاد) (خةج و سيامند).
الملحمة البطولية:
تعتبر ملحمة البطولة الكوردية مادة غنية لمعرفة جوانب مختلفة من جوانب الحياة للمجتمع الكوردي في الماضي والحاضر و الملاحم البطولية الكوردية كما يراها الدكتور عزالدين مصطفى رسول تنقسم الى ثلاثة اقسام:
القسم الاول/ الملاحم المشوبة بصور و مظاهر خيالية أو يكون أساس البحث فيها الشجاعة والبطولة مثل ملحمة (رستم و زوراب).
ثانياً/ هناك نوع من الملاحم البطولية الكوردية تروي فصولاً من بطولة و شجاعة كثيراً ما تكون الملحمة مختلفة. غير انها خالية من الاحداث غير المعقولة و الخارجة عن طاقة الانسان. وفي هذه الانواع من الملاحم كثيراً ما يكون ابطالها اناساً حقيقيين. مثل ملحمة "شريف هموند" – عمي كوزي وغيرهما من الملاحم الكثيرة.
ثالثاً/ هذا النوع يصور الاحداث بصورة كاملة من الوجهة التاريخية مثل ملحمة (شريف هموند) فبجانب توفر صورة الشجاعة في هذه الملحمة الا انها تبرز فيها صفحات من تأريخ الكورد.
ان الملاحم الكوردية بشكل عام لا تقف عن وصف البطل في الملحمة بل تقوم بتصوير لوحة كاملة عن سوح القتال و يبرز فيها تلاحم البطل مع فرسانه وتقوم بربط البطل بالارض و الوطن و الفداء من اجلهما.
فان اعظم ملحمة بطولية كوردية بقيت لحد الان و التي تروي قصة ابطال هي ملحمة (قلعة دمدم) و التي تروي كفاح أميرخان (ذي اليد الواحدة) ضد الشاه عباس الاول(12).
الدكتور نوري ياسين هرزاني 2009-05-09
|
|
|
|
|